فصل: تفسير الآيات (4- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



هذا عن قولهم عن رسول الله: مجنون، أما قولهم: ساحر.
فالردُّ عليها ميسور، فإذا كان محمد ساحرًا، سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم أنتم أيضًا؟ فكونكم سالمين من السحر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ليس ساحرًا، بل هذا كذب وافتراء على رسول الله.
أما قولهم: شاعر، فهذا عجيب منهم، وهم أمة كلام وبلاغة، وهم أكثر خَلْق الله تمييزًا للشعر من النثر، وخير مَنْ يفرق بين الأساليب وطرق الأداء، وقد تولى الله تعالى الردَّ عليهم، فقال: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغي لَهُ} [يس: 69].
وفي سورة الحاقة، يقول سبحانه: {وَمَا هُوَ بقَوْل شَاعرٍ قَليلًا مَّا تُؤْمنُونَ وَلاَ بقَوْل كَاهنٍ قَليلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 41-42].
فلما خابتْ كُلُّ هذه الحيل، وكذبتْ كل هذه الافتراءات قالوا: بل له شيطان يُعلّمه، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا يُشَقُّ له غبار في الفصاحة وحُسْن الأداء، حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكانًا خاصًا بهم، فقالوا وادي عبقر، وهو مسكن هؤلاء الجن الذي يُلْهمون البشر ويُعلّمونهم.
والشعر كلام موزون مُقفَّى، وله بحور معروفة، فهل القرآن على هذه الشاكلة؟ لا، إنما هو افتراء على رسول الله، كافترائهم عليه هنا: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه} [السجدة: 3].
فقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ} [السجدة: 3] أم تعني أن لها مقابلًا: يعني: أيقولون كذا؟ أم يقولون: افتراه، فماذا هذا المقابل؟ المقابل {تَنزيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فيه من رَّبّ العالمين} [السجدة: 2] فالمعنى: أيُصدّقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين، وأنه لا رَيْبَ فيه؟ أم يقولون افتراه محمد، فأَمْ هنا جاءت لتنقض ما يُفهَم من الكلام السابق عليها.
وقوله: {بَلْ هُوَ الحق من رَّبّكَ} [السجدة: 3] نعرف أن بل تأتي للاستدراك، لكنها هنا ليست للاستدراك، إنما لإبطال قولهم: {افتراه} [السجدة: 3] كما لو قُلْت: زيد ليس عندي بل عمرو، فأفادتْ الإضراب عما قبلها، وإثبات الحكم لما بعدها، وهم يقولون افتراه والله يقول: {بَلْ هُوَ الحق من رَّبّكَ} [السجدة: 3] فكلامهم واتهامهم باطل، والقرآن هو الحق من عند الله.
وقُلْنا: إن {الحق} [السجدة: 3] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير؛ لذلك فالحقائق ثابتة لا تتغير أبدًا، كيف؟ هَبْ أن حادثة وقعتْ نتج عنها مُدَّع ومُدَّعًى عليه وشهود، واجتمعوا جميعًا أمام القاضي، وقد يحدث أن يُغيّر أحدهم أقواله، أو يشهد الشهود شهادة زور.
لكن خبرة القاضي ودُرْبته تكشف الحقائق وتُظهر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض، ويسألهم ويحاورهم إلى أنْ يصل إلى الحقيقة؛ ذلك لأن الواقع شيء واحد، ولو أنهم يصفون واقعًا لا تفقوا فيه، ولباقة القاضي هي التي تُظهر الباطل المتناقض وتُبطله وتُحقّ وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض.
كالقاضي الذي اجتمع أمامه خَصمْان، يدَّعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالًا ولم يردّه إليه، فقال المدَّعَي عليه: بل رددته إليه في مكان كذا وكذا، فأنكر المدَّعى، فقال القاضي للمدَّعَى عليه: اذهب إلى هذا المكان، فلعل هذا المال وقع منك هناك، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت، فقال القاضي للمدعى: لقد أبطأ صاحبك، فقال: أبطأ؛ لأن المكان بعيد، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها.
ثم يقول سبحانه: {لتُنذرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مّن نَّذيرٍ مّن قَبْلكَ} [السجدة: 3] ومعلوم أنه سيدنا رسول الله جاء بشيرًا ونذيرًا، لكن خصَّ هنا النذير؛ لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة، وإصلاح الفاسد لابُدَّ أن يسبق ما يُبشر به، ولم يأْت ذكر البشارة هنا؛ لأنهم ما سمعوا للنذارة، وما استفادوا بها.
لكن قوله تعالى: {مَّآ أَتَاهُم مّن نَّذيرٍ مّن قَبْلكَ} [السجدة: 3] تصطدم لفظيًا بقوله تعالى: {وَإن مّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلاَ فيهَا نَذيرٌ} [فاطر: 24] وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذّبينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وليس بين هذه الآيات تناقض؛ لأن المعنى: ما أتاهم من نذير قريب، ولا مانع من وجود نذير بعيد، كما قال تعالى: {يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل} [المائدة: 19].
وإلا، فمن أين عرفوا أن الله تعالى خالق السموات والأرض، كما حكى القرآن عنهم: {وَلَئن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُل الحمد للَّه} [لقمان: 25] فهذا أثر من آثار الرسل السابقين، كما كان فيهم أناس متبعون لمنهج الدين الحق، والذين سماهم الله الحنفاء، وهم الذين لم يسجدوا لصنم، ولم ينحرفوا عن الفطرة السوية.
وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] لعل تفيد الرجاء، والرجاء من الله كأنه واقع متحقق؛ لأن الله تعالى يحب لعباده جميعًا أنْ يؤمنوا به؛ ليأخذوا جميل عطائه في الآخرة، كما أخذوا عطاءه في الدنيا، وهم جميعًا خَلْقه وصَنْعته، وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي: «دعوني وما خلقت، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا إلىَّ فأنا طبيبهم». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال السمين:

بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله: {تَنزيلُ} فيه أوجهٌ، أحدها: أنه خبرُ {الم} لأنَّ {الم} يُرادُ به السورةُ وبعضُ القرآن. وتنزيلُ بمعنى مُنزّل. والجملةُ منْ قوله: {لاَ رَيْبَ فيه} حالٌ من {الكتاب}. والعاملُ فيها {تنزيلُ} لأنه مصدرٌ. و{منْ رَبّ} متعلّقٌ به أيضًا. ويجوزُ أن يكون حالًا من الضمير في {فيه} لوقوعه خبرًا. والعاملُ فيه الظرفُ أو الاستقرارُ.
الثاني: أَنْ يكونَ {تَنْزل} مبتدأً، و{لا ريبَ فيه} خبرُه. و{من رَّبّ العالمين} حالٌ من الضمير في {فيه}. ولا يجوزُ حينئذٍ أَنْ يتعلَّقَ ب {تنزيل} لأنَّ المصدرَ قد أُخْبر عنه فلا يَعْمَلُ. ومَنْ يَتَّسعُ في الجارّ لا يبالي بذلك.
الثالث: أَنْ يكونَ {تنزيلُ} مبتدأ أيضًا. و{منْ رَبّ} خبرُه و{لا ريبَ} حالٌ أو معترضٌ.
الرابع: أن يكون {لا ريب} و{من رَّبّ العالمين} خبرين ل {تنزيلُ}.
الخامس: أن يكون خبرَ مبتدأ مضمرٍ، وكذلك {لا ريبَ}، وكذلك {منْ ربّ}، فتكونُ كلّ جملةٍ مستقلةً برأسها. ويجوزُ أَنْ يكونا حالَيْن من {تنزيلُ}، وأن يكونَ {منْ رب} هو الحالَ، و{لا ريبَ} معترضٌ. وأولُ البقرة مُرْشدٌ لهذا، وإنما أَعَدْتُه تَطْريَةً.
وجَوَّز ابنُ عطية أَنْ يكونَ {من رَّبّ العالمين} متعلّقًا ب {تنزيل} قال: على التقديم والتأخير. ورَدَّه الشيخ: بأنَّا إذا قُلنا: {لاَ رَيْبَ فيه} اعتراضٌ لم يكنْ تقديمًا وتأخيرًا، بل لو تأخَّر لم يكنْ اعتراضًا. وجَوَّز أيضًا أَنْ يكونَ متعلّقًا ب {لا ريبَ} أي: لا ريبَ فيه منْ جهة ربّ العالمين، وإنْ وَقَعَ شَكٌّ للكفرة فذلك لا يُراعَى.
قوله: {أَمْ يَقُولُونَ} هي المنقطعةُ، والإضرابُ انتقالٌ لا إبطالٌ.
قوله: {بَلْ هُوَ الحق} إضرابٌ ثانٍ. ولو قيل بأنَّه إضرابُ إبطالٍ لنفس {افتراه} وحدَه لكان صوابًا، وعلى هذا يُقال: كلُّ ما في القرآن إضرابٌ فهو انتقالٌ إلاَّ هذا، فإنه يجوزُ أَنْ يكونَ إبطالًا؛ لأنه إبطالٌ لقولهم أي: ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحقُّ. وفي كلام الزمخشريّ ما يُرْشدُ إلى هذا فإنه قال: والضميرُ في {فيه} راجعٌ إلى مضمون الجملة. كأنه قيل: لا ريبَ في ذلك، أي: في كونه منْ رب العالمين. ويَشْهَدُ لوجاهَته قولُه: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه}؛ لأنَّ قولهم: هذا مفترى إنكارٌ لأَنْ يكونَ منْ ربّ العالمين، وكذلك قوله: {بَلْ هُوَ الحق من رَّبّكَ} وما فيه تقريرٌ أنه من عند الله. وهذا أسلوبٌ صحيحٌ مُحْكَمٌ.
قوله: {منْ ربّك} حالٌ من {الحقّ} والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة، وهو العاملُ في {لتُنْذرَ} أيضًا، ويجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في {لتنذر} غيرَه أي: أنزله لتنذرَ.
قوله: {قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم} الظاهرُ أنَّ المفعولَ الثاني للإنذار محذوفٌ. و{قومًا} هو الأولُ؛ إذ التقديرُ: لتنذرَ قومًا العقابَ، و{ما أتاهم} جملةٌ منفيَّةٌ في محلّ نصبٍ صفةً ل {قومًا} يريد: الذين في الفترة بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام. وجعله الزمخشري كقوله: {لتُنذرَ قَوْمًا مَّآ أُنذرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] فعلى هذا يكونُ {منْ نذير} هو فاعلَ {أتاهم} ومن مزيدةٌ فيه. و{منْ قبلك} صفةٌ لنذير. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ {منْ قبلك} ب {أَتاهم}.
وجَوَّزَ الشيخُ أَنْ تكونَ ما موصولةً في الموضعين، والتقدير: لتنذرَ قومًا العقابَ الذي أتاهم منْ نذيرٍ منْ قبلك. و{منْ نذير} متعلقٌ ب {أَتاهم} أي: أتاهم على لسان نذيرٍ منْ قبلك، وكذلك {لتُنذرَ قَوْمًا مَّآ أُنذرَ آبَآؤُهُمْ} [يس: 6] أي: العقابَ الذي أُنْذرَه آباؤهم. فما مفعولةٌ في الموضعين، و{لتُنْذرَ} يتعدَّى إلى اثنين. قال تعالى: {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعقَةً} [فصلت: 13]. وهذا القولُ جارٍ على ظواهر القرآن. قال تعالى: {وَإن مّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلاَ فيهَا نَذيرٌ} [فاطر: 24] {أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا من بَشيرٍ وَلاَ نَذيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشيرٌ وَنَذيرٌ} [المائدة: 19]. قلت: وهذا الذي قاله ظاهرٌ.
ويظهر أنَّ في الآية الأخرى وجهًا آخرَ: وهو أَنْ تكونَ ما مصدريةً تقديرُه: لتنذرَ قومًا إنذارًا مثلَ إنذار آبائهم؛ لأنَّ الرسلَ كلَّهم متفقون على كلمة الحق. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

بصيرة في الميم نفسها:
الميم ترد في الكلام على اثنى عشر وجهًا:
1- حرف شَفَوىّ من حروف الهجاء، يظهر من انطباق الشفتين قرب مخرج الباء.
والنسبة ميمىّ.
والفعل منه: ميّمت ميمًا حَسَنًا وحسنًة.
وجمعه على التذكير: أَميام، وعلى التأَنيث: ميمات وميَمٌ.
2- الميم عبارة عن عدد الأَربعين في حساب الجُمّل.
3- الميم الأَصلىّ، كما فى: ملح، ومحل، ولحم، وحلم، وحمل، ولمح.
4- ميم التثنية: أَنتما ولكما.
5- ميم الجمع: أَنتم ولكم.
6- الميم المكرَّرة، نحو: عمّ وعمّم.
7- الميم الكافية: التي تكون كناية عن كلمة؛ نحو: حم، ح: حلمه، م: ملْكه.
وله نظائر.
8- ميم المفعول: وتكون مفتوحة، كميم منصور ومحبوب.
ويكون في مسبغة مضمومًا فاعلًا كان أَو مفعولًا؛ نحو مُكرم ومكرَم.
9- الميم الزائدة: ومنها ما يكون أَوَّل الكلمة كمضرب ومثْقب، أَو في وسطها كلبن قمارص ودرع دُلاَمص، أَوفى آخرها نحو زرقم وشدقم.
10- الميم المبدَلة: من الباء، نحو: بنات بخر وبنات مخر؛ أَو من الواو، نحو: فَم، فإن الأَصل فَوْه بدليل أَن الجمع أَفواه؛ أَو لام التعريف كالحديث: «لَيْسَ من امْبرّ امْ صيامُ في امْ سَفَر» أَو من النون كالبَنَام في البَنَان.
11- الميم اللغوىّ، قال اللغويُّون: الميم: الخمر، قال:
إنى امرؤ في سعة أَو مَحْل ** أَمتزج الميم بماءٍ ضحل

اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
قوله جل ذكره: {بسم الله الرحمن الرحيم} كلمة سماعها ربيع الجميع، من العاصي والمطيع، والشريف والوضيع، من أصغى إليها بسمع الخضوع ترك طيب الهجوع، ومن أصغى إليها بسمع المحاب ترك لذيذ الطعام والشراب.
{الم (1) تَنْزيلُ الْكتَاب لَا رَيْبَ فيه منْ رَبّ الْعَالَمينَ (2)}.
الإشارة من الألف إلى أنه أَلفَ المحبون قربتي فلا يصبرون عني، وأَلفَ العارفون تمجيدي فلا يستأنسون بغيري.
والإشار في اللام إلى لقائي المدَّخر لأحبَّائي، فلا أبالي أقاموا على ولائي أم قصَّروا في وفائي.
والإشارة في الميم: أي تَرَكَ أوليائي مرادَهم لمرادي. فلذلك آثرتُهم على جميع عبادي.
{تَنزٍيلُ الْكتَاب لاَ رَيْبَ فيه من رَّبّ الْعَالَمينَ} [السجدة: 2]: إذا تَعَذَّرَ لقاءُ الأحباب فأَعَزُّ شيءٍ على الأحباب كتابُ؛ أَنْزَلْتُ على أحبابي كتابي، وحمَلَتْ إليهم الرسالةُ خطابي، ولا عليهم إنْ قَرَعَ أسماعَهم عتابي، فَهُمْ في أمانٍ من عذابي.
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ منْ رَبّكَ لتُنْذرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ منْ نَذيرٍ منْ قَبْلكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)}.
الذي لكم منا حقيقة، وإنْ التبس على الأعداء فليس يضيركم، ولا عليكم، فإنَّ صحبةَ الحبيب مع الحبيب أَلَذُّها ما كان مقرونًا بفقد الرقيب. اهـ.

.تفسير الآيات (4- 5):

قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في ستَّة أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش مَا لَكُمْ منْ دُونه منْ وَليٍّ وَلَا شَفيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبّرُ الْأَمْرَ منَ السَّمَاء إلَى الْأَرْض ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْه في يَوْمٍ كَانَ مقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ (5)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من عنده وبعلمه لا محالة، وكان هذا أمرًا يهتم بشأنه ويعتني بأمره، لأنه عين المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين، وختم ما ذكره من أمره هاهنا بإقامة اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صلى الله عليه وسلم، أتبعه بيان ذلك بإيجاد عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر، وإحاطة العلم بذلك كله على وجه يقود تأمله إلى الهدى، فقال مستأنفًا شارحًا لأمر يندرج فيه إنزاله معبرًا بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له: {الله} أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده: {الذي خلق السماوات} كلها {والأرض} بأسرها {وما بينهما} من المنافع العينية والمعنوية.
ولما كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان، وكان الشيء إذا عمل بالتدرج كان أتقن، قال: {في ستة أيام} كما يأتي تفصيله في فصلت، وقد كان قادرًا على فعل ذلك في أقل من لمح البصر، ويأتي في فصلت سر كون المدة ستة.
ولما كان تدبير هذه وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره أمرًا- بعد أمر إيجاده- باهرًا، أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير بالافتعال فقال: {ثم استوى على العرش} أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه، لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير، كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم، وتباعدت أطرافها، وتناءت أقطارها، وهو معنى قوله تعالى استئنافًا جوابًا لمن كأنه قال: العرش بعيد عنا جدًا فمن استنابه في أمرنا، ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد في التنبيه: {مالكم من دونه} لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره، ودل على عموم النفي بقوله: {من ولي} أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به {ولا شفيع} يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذنه، وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به، وأن إحاطته بجميع خلقه على حد سواء لا مسافة بينه وبين شيء أصلًا.